أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

43

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

الزهد والولاية والعبادة والانقطاع والكشف متواضعا للّه تعالى ، قدوة للصلاح ، ذا بصيرة صافية ، تلوح منه الكرامات ، كان يعذل أصحابه على أشياء ما اطلع عليها ، وسمع الآذان بجامع مصر من غير المؤذنين مرارا ، وكان محفوظ اللسان ، يمنع جلساءه من فضول الكلام ، لا يجلس للاقراء الا متطهرا خاشعا ، مواظبا على السنة . كان شافعي المذهب . بلغنا أنه ولد أعمى . ولقد حكى عنه أصحابه ومن كان يجتمع به عجائب ، وعظموه تعظيما بالغا ، حتى أنشد الحافظ العلامة أبو شامة المقدسي من نظمه في ذلك : رأيت جماعة فضلاء فازوا * برؤية شيخ مصر الشاطبي وكلهم يعظمه ويثني * كتعظيم الصحابة للنبي قال الجزري : أخبرني بعض شيوخنا الثقات ، عن شيوخهم ، أن الشاطبي كان يصلي الصبح بالفاضلية بغلس ، ثم يجلس للاقراء ، فكان الناس يتسابقون السرى اليه ليلا ، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله : من جاء أولا فليقرأ ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق ، فاتفق أن قال يوما : من جاء ثانيا فليقرأ ، وبقي الأول - وكان من أصحابه - لا يدري ما الذنب الذي أوجب حرمانه ، ففطن أنه أجنب تلك الليلة ، ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك ، فبادر إلى حمام جوار المدرسة ، فاغتسل ورجع قبل فراغ الثاني ، والشيخ قاعد أعمى ، فلما فرغ الثاني قال الشيخ من جاء أولا فليقرأ . وهذا من أحسن ما وقع لشيوخ هذه الطائفة ، بل لا أعلم مثله وقع في الدنيا . ومن تصانيفه : رائقة في الرسم فائقة نظراتها . وأما ( قصيدته اللامية ) في القراءات ، واسطة عقد تصانيفه ، وغرة وجه تآليفه ، وهي القصيدة التي سارت في الأمصار ، وطارت في الأقطار ، وصار إلى قبولها علماء الأعصار . قال الجزري : من وقف على قصيدته ، علم مقدار ما آتاه اللّه تعالى في ذلك ، خصوصا اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها ، فإنه لا يعرف مقدارها ، الا من نظم على منوالها أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقها . ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول ، ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن ، بل أكاد أن أقول : ولا في غير هذا الفن ، فإنني لا أحسب أن بلدا من بلاد